ابو القاسم عبد الكريم القشيري
398
لطائف الإشارات
من وطّن النّفس على الدنيا وبهجتها غرته بأمانيها ، وخدعته بالأطماع فيها . ثم إنها تخفى الصّاب في شرابها ، والحنظل في عسلها ، والسراب في مآربها ؛ تعد ولا تفي بعداتها ، وتوفى آفاتها على خيراتها . . نعمها مشوبة بنقمها ، وبؤسها مصحوب بمأنوسها ، وبلاؤها في ضمن عطائها . المغرور من اغترّ بها ، والمغبون من انخدع فيها . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 46 ] الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ( 46 ) من اعتضد بعتاده ، واغترّ بأولاده ، ونسي مولاه في أوان غفلاته . . خسر في حاله ، وندم على ما فاته في مآله . ويقال زينة أهل الغفلة في الدنيا بالمال والبنين ، وزينة أهل الوصلة بالأعمال واليقين . . فهؤلاء رتّبهم لظواهرهم . . وهؤلاء زينتهم لعبوديته ، وافتخارهم بمعرفة ربوبيته . ويقال ما كان للنّفس فيه حظّ فهو من زينة الحياة الدنيا ، ويدخل في ذلك الجاه وقبول المدح ، وكذلك تدخل فيه جميع المألوفات والمعهودات على اختلافها وتفاوتها . ويقال ما كان للإنسان فيه شرب ونصيب فهو معلول : إن شئت في عاجله وإن شئت في آجله . قوله جل ذكره : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا . وهي الأعمال التي بشواهد الإخلاص والصدق . ويقال « الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ » : ما كان خالصا للّه تعالى غير مشوب بطمع ، ولا مصحوب بغرض . ويقال « الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ » : ما يلوح في السرائر من تحلية العبد بالنعوت ، ويفوح نشره في سماء الملكوت . ويقال هي التي سقت من الغيب لهم بالقربة وشريف الزلفة .